عصافيري

وفاء من جناح طائر
تقول إحداهن :
منذ أشهر، استأجرتُ غرفة بسيطة في حي فقير… لا بأس بها، مريحة على طريقتها،
تطل نافذتها على شجرة عملاقة، يتجمّع على أغصانها سرب من الطيور.
ومع إشراقة كل صباح،
كنت أفتح النافذة وأضع لهم صحناً من الماء، وآخر من الحبوب أو البقول…
ثم أجلس أراقبهم وهم يهبطون في خفة، يتزاحمون برقة على أرزاقهم.
كنت أفعلها حبًا، وكنت أرجو أن تُكتب لي صدقةً في ميزان حسناتي…
لكن ما حدث هذا الصباح، غيّر كل شيء.
في المساء السابق، كنت أعلم أنني سأنشغل باكرًا، فجهزت أواني الطعام،
وضعتها خارج النافذة كما أفعل كل يوم، ثم مضيت فجرًا إلى البنك لأستلم معاشي التقاعدي.
وعندما عدتُ ظهراً، حدث شيء عجيب…
ما إن اقتربتُ من زقاق العمارة، حتى بدأت الطيور تطير من فوقي وتغرد حولي!
كأنها ترفرف بي، كأنها تقول: “لقد عدتِ… كنا بانتظارك.”
صعدتُ لغرفتي، نزعتُ معطفي، وفتحتُ النافذة…
ويا للمفاجأة:
الصحون كما هي، لم يُمسّ منها شيء.
نظرت إلى الشجرة المقابلة…
رأيتهم هناك، ساكنين… يراقبونني بعيون لا تُشبه أعين الطيور.
وما إن فتحت الزجاج، حتى هبطوا جميعًا، مسرعين… كأنهم يقولون:
“لم نكن نريد الطعام… كنا ننتظركِ أنتِ.”
في تلك اللحظة، أثارني شعور لم يمنحني إياه البشر طوال عمري:
أن الوفاء لا يُقاس بالحجم ولا بالكلام،
بل بالشعور الذي يبقى… حتى في غيابك.
أنك حين تُعطي الحب الصادق بقلبك، حين يُقدَّمه دون شرط، يعود إلينا بشكل لا يُمكن أن تصنعه الكلمات… بل الأرواح.
ريم العلوي #الشارع_العربي
ه