fbpx
من الواقع

السجين ٧١٣ 

خربشات على جدار الذاكرة:

هي سلسلة من قصص واقعية عاشها أحد الأطباء في حياته المهنية , واليوم يرويها لنا بكل حذافيرها , من الواقع المعاش الذي تتكرر أحداثه في مجتمعاتنا…

مناوبة جديدة في السجن وقصة جديدة ، هذه القصة لسجين بلا إسم ، رقم ! نعم رقم ، وإليكم  قصته :

وصلت لعيادة السجن صباحًا كالمعتاد ، كان النهار وما بعد الظهيرة هادئًا ، والسجن الذي كنّت أناوب فيه سجن مركزي ، ليس معتقلًا أو قلعة ، هو سجن مركزي ضخم ، وخلال النهار وحتى السابعة مساءًا تقريباً تفتح أبواب مهاجع السجن المطلة على الرواق الرئيسي ، هذا الرواق الطويل جدًا ، يبدأ من الساحة الرئيسيّة الخارجية بباب مضاعف ، أي بوابتين من قضبان حديدية، في المسافة بينهما مكتبين واحد على اليمين ، والآخر على اليسار ، لتسجيل النزلاء ، تجهيز السجناء الذي يحولون لسجن آخر ، المحكمة ، المستشفى أو تنفيذ القصاص .
هذه المنطقة تعتبر منطقة استقبال وتوديع ، تفتح البوابة الخارجية على ساحة كبيرة شديدة الحراسة ومنها للبوابة الرئيسيّة .
بالنسبة لبوابة الزيارة فهي من مكان آخر في منتصف الرواق ، تفتح على رواق آخر ، مثل قناة توصل لمكان الزيارة، وقاعة الزيارة مقسمة حسب شدة الجرم . زيارة الشبك المضاعف بين السجين والزائر، للمجرمين الخطرين ، وهناك صالات للجنح والأحكام الخفيفة .

وكذلك الأمر بالنسبة لتقسيم مهاجع السجناء ، فهناك المهاجع المطلة على الرواق للمحكومين بأحكام خفيفة ، من الجنحة حتى المؤبد ( ممن حسن سلوكه ) وكذلك التوقيف الإحترازي ، قيد التحقيق و قبل الحكم ممن طالت فترة توقيفهم عّن أسبوع .
هؤلاء السجناء يمكنهم الخروج إلى الرواق الرئيسي خلال النهار دون قيود أو أغلال . وكان بعضهم يمر أمام العيادة ولكن يمنع دخولها دون موافقة المسؤول.

وهناك جزء ممنوع خروج النزلاء منه ، وهم سجناء الإعدام وجرائم القتل ، أما المكان الذي لا يبصر نزلائه الشمس ، وينادى عليهم بالأرقام فهو القسم السياسي والإرهاب ، وهو بناء منعزل قد لا تشعر بوجوده أبدًا ، وفِي حال مرض أحدهم يجب أن يذهب الطبيب إليه ، ومن المحال أن يرى نزيله هذا نور الشمس ، فمصيره إما إلى معتقل الصحراء سيّء الذكر ” تدمر ” أو إلى الدار الأخرى إلا من رحم ربي .

كنّت أجلس في العيادة حينما رِن الهاتف .
رد الممرض : حاضر سيدي ، نعم ، حاضر ، حاضر …
التفت الممرض وقال :
دكتور … عندك زيارة لتحت الأرض !
قلت : تحت الأرض ؟
الممرض : نعم .. القسم السياسي
سألت الممرض : أين ؟
الممرض : ستأتي السيارة ، هو في بناء آخر .
ركبنا السيارة ووصلنا لمنطقة في طرف السجن ، مكان شبيه بالمنفردات ، بناء صغير ، عبارة عن مدخل ، وتحت معتقل متعدد الأدوار معتم ، هواءه مخنوق ، مجرد أن تخطو فيه تشعر أنك إنتقلت إلى منطقة أخرى ، تشعر بالرهبة والخوف والحذر والترقب ، هبطت أدراج متعددة مع أني لمحت كان هناك باب مصعد ، ربما الهدف إرسال رسالة ما للخارج ، رغم التحذير من عدم الحديث عنه ، لأنك تخدم الوطن .
نزلت أدراج عدة لا أدري هل هو دور أو إثنين أو  أكثر ، إضاءة خافتة وجو رهيب ، حتى وصلت لمكتب فيه سرير ، مضاء بشكل جيد ، لكن جدرانه قذرة ورائحته وكأنه كهف لم يفتح من العصر الجليدي .
هناك شخص على السرير يضع يده أسفل بطنه ويئن ، إقتربت وألقيت التحية ، قدرت أنه في نهاية الخمسين حليق الرأس ، ولكن قد أصبح شعره الأشيب بطول نصف سنتيمتر أو يزيد ولحيته كذلك ، يبدو أن الحلاقة للرأس واللحية تتم معًا . نحيل ، منثني على بطنه ألمًا .
-٠ مرحباً يا عّم كيف حالك ، خير إن شاء الله مما تشكو ؟
-٠ مجرد أنين … بطني يا دكتور لا أستطيع أن أعدل جلستي ، يجب أن أبقى  هكذا لأحتمل الألم .
-٠ طيب يا …… ! ما إسمك ؟
-٠ رد الشرطي … ٧١٣
-٠ التفت على الشرطي ٧١٣ ؟

-٠ الشرطي : نعم ! ٧١٣ وعمره ٣٨ سنة !
-٠ صعقت من ذلك وصمتت، طيب ! متى بدأ الألم
-٠ ٧١٣ : من البارحة
-٠ سألته : هل هناك حرارة ؟ إقياء ؟ إسهال .
-٠ ٧١٣ : نعم نعم ، حرارة وإقياء والألم .
-٠ مددته على ظهره جيداً ، أخذت حرارته ، ضغطه ونبضه ، وفحصت بطنه فقفز من الألم ، أعطيته  حقنة مسكنة للألم
وكتبت : الساعة الثانية عشر والنصف ليلاً .. المريض : ٧١٣ ، الجنس : ذُكر
العمر : ٣٨ سنة
الفحص : ألم بطني مرتد بمنطقة الربع السفلي الأيمن  للبطن ، علامة ماكبورني إيجابي ، بطن متصلب ، حرارة ٣٩ درجة ، نبض : ٩٠ ، تنفس سطحي متسرع ، المريض شاحب متعرق .
أعطي حقنة وريدية : انالجين لتسكين الألم وخفض الحرارة
التشخيص : إشتباه إلتهاب زائدة دودية
التوصيات : إحالة لقسم الجراحة لإعادة التقييم وإجراء اللازم .
توقيع الطبيب والتاريخ

الشرطي : ألا يمكن علاجه هنا .
قلت : لا هو بحاجة لجراحة عاجلة ، أو أنه معرض لخطر انفجار الزائدة الدودية ، ودخوله باختلاطات قد تؤدي لوفاته خاصة أنه مدنف ( ناقص التغذية ) ولديه فقر دم ووهن شديد .
الشرطي : لكن هؤلاء ممنوع خروجهم
قلت له : بالنسبة لي واجبي أن أضع توصيتي ابراءًا لذمتي ، وإلتفت للشرطي وقلت له ، في مادة تاريخ الطب درّسونا أنه حين يتم تحويل ، رئيس اسرائيل مصابا لنا في العيادة الميدانية يجب علينا أن نؤدي واجبنا تجاهه ، وأعتقد أنه ليس رئيس اسرائيل .
ألقيت عليه نظرة أخيرة ، ربّت على يده التي مازالت على بطنه وقد خُف ألمه ، قلت له عافاك الله وشفاك يا اخي ، وفك كربتك وفرج همك .
ثم حملت حقيبتي وخرجت مع الممرض الذي كان ينتظر خارج الغرفة ولَم يسمح له بالدخول .
ونحن نهم بالخروج نادى الشرطي للممرض وهمس في أذنه ، وحين وصلنا العيادة ، قال لي : لن تستدعى لذلك القسم مرة أُخرى ، الشرطي قال لي : وعذرا لما سأقول ما قاله لي ، أن لسانك طويل .
ضحكت ألمًا وقلت : نعم لساني طويل ، لكن مازلت بشرًا وأحترم قسمي .

لا أدري ما تهمته ، وهل هو مخطئ فعلاً ، أم أنه مخطئ بنظر النظام الحاكم ، ففي ثمانينات القرن المنصرم أعتقل عشرات الآلاف من الشباب ، واختفوا ، وعذبوا ونكل بهم فقط لأنهم قالوا نريد إصلاحًا ، آعتبروا إرهابيين ، ليس لأنهم أرهبوا الناس ، بل أرهبوا أرباب السلطة و هددوهم بسحب إمتيازاتهم وهددوا بفتح عيون الشعب على الحقيقة .
أتحدى أن تجتمع أنظمة الحكم في العالم ، و تضع تعريفًا واضحاً واحداً للإرهاب ، إن ذلك في حكم المحال ، لأن كلمة إرهاب كلمة هلامية، يتم وضعها بأي قالب يريده نظام الحكم بأي دولة في العالم ، الإرهابي بالنسبة لنظام حكم ما ، هو مناضل بالنسبة لنظام آخر ما لم يهدده ، فإن هدده صار شيطان .
وتذكرت وأنا أجتر ذكرياتي قول أحمد مطر :

رائعـةٌ كُلُّ فعـالِ الغربِ والأذنابِ
أمّـا أنا، فإنّني
مادامَ للحُريّـةِ انتسابي
فكُلُّ ما أفعَلُـهُ
نـوعٌ مِـنَ الإرهـابِ !

سليمان_عمر **الشارع العربي**

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى