fbpx
من الواقع

البريء المجرم

كثير ما طرقت أسماعنا عبارة “ يا ما في السجن مظاليم ” وخلال مناوبتي الأولى في السجن قابلت مجرم بريء ، ربما هذه العبارة فيها تداخل وإبهام  !.. لكن تلك الصداقة التي تكونت بيني وبين السجين عمار ، المبتسم دائمًا، الضاحك المهزار جعلته يجلس في آخر زيارة له للعيادة في السجن قبل نقله إلى سجن أخر تفسر كل شيء .

عمار شاب يبلغ من العمر خمس ثلاثون عامًا ، بدين نوعًا ما ضحوك جدًا ، ولقد شعرت أن ضحكه المستمر ونكاته التي يطلقها إنما تخفي ألمًا يعتمل في صدره، وهو يحاول تجاوزه والتمويه بضحكه .
حال هذا الشاب حال كثير من الشباب ، الذين خرجوا من بيوت ممزقة ، بيوت تمزقت نتيجة طلاق الأبوين ، فقر ، بطالة ،أو موت أحد الأبوين .
وفِي أحيان كثيرة يتم دون يتم ، نعم يتم الأطفال في بيت يكون الأبوين موجودين و  غائبين لفقر وجهل ، أو ثراء و آستهتار .
بعد جلسات عدة أصبح عمار يحضر إبريق الشاي ,ويأتي للعيادة بعد آنتهاء وقت العيادة الرسمي ، يجلس ويطلق نكاته ويضحك في محاولة أن يخفف عني، ويكون دليلي في التعريف بالسجناء كونه يعرفهم لأنه قضى السنوات الخمس الأخيرة معهم ، وإن نظرت في أعماقه ستعلم إنما هو يأتي لأنه يريد أن ينسى مأساته ….
يقول عمار : أتعرف يا دكتور أني حكمت بالإعدام منذ الجلسة الثانية لمحاكمتي ، وذلك بعد عرض الأدلة تم النطق بالحكم بسرعة قياسية ، لكن طعنت بالحكم فأنا لم أقتل الرجل والله على ما أقول شهيد ….

حينما تلفظ بهذه الكلمات بدت مسحة حزن واضحة وهمّ قاتل كأنه جبال فوق هامته ، طأطأ رأسه ولمحته وهو يحاول إيهامي أنه يحك عينيه بسبب ناموسة أزعجته ، وما كان ذلك إلا دمعة فرت من بين جفنيه …..

سألته : إن كنّت لا تجد حرج حدثني َعنَك .
عمار : بالعكس دكتور ، أريد ان اتكلم لانه سيتم نقلي الأسبوع المقبل ، لا ادري ان كان لسجن آخر أو للتأرجح على حبل المشنقة .
قلت : إذًا حدثتي .
عمار : منذ بدأت أدرك ما كان يدور حولي ، عرفت الفقر والحاجة ، وسمعت أب طالما كان يضرب كل من حوله ، أنا وأمي وأخوتي .
كان يعمل في البناء ، يعمل يوم ويبقى عشر أيام دون عمل ، وحين يعمل كان ينفق نصف ما يجنيه على شرب الخمر ، ويأتي كل ليلة وأستيقظ على صراخه وسبابه ، وذات يوم حضر من يخبر أمي أنه قد مات في عراك في مكان عمله.
لا أخفيك حينها أنه قد سرني ذلك ، هل تصدق أن أحد يُسر بموت أبيه ، كنّت حينها في الثامنة من عمري ، وبعد فترة تزوجت أمي من رجل آخر ، كان مرتاح ماليًا ولديه محل تجاري لبيع الأثاث المنزلي ، كنّت في المدرسة صباحاً وبعد الظهر أعمل معه ، لكنه لم يكن أقل سوءًا من أبي ، شتّام سبّاب وكان لا يتورع عن ضربي لأتفه سبب ، وفِي البيت كان كذلك ، وكان له صاحبات يزرنه في معرض الأثاث ، كنّت أكرهه وأتمنى موته أو الهرب منه ، وبعد سنوات خمس كنّا في يوم شتائي على سطح البيت وكان يعالج هوائي إرسال التلفزيون وزلت قدمه وسقط من سطح البناء إلى الشارع ومات .

وأكمل عمار حديثه ولاحظت نظرة آختلطت علي ، لا هي حزن ولا فرح ، بل جمود ملامح حيث تحدث عّن موت زوج أمه .
بعد ذلك وبعد محاصصة الورثة ورثأخي وأختي من أمي ومنه إرثهما وعملت في نفس التجارة التي عمل بها زوج أمي ، حتى بلغ أخي مبلغ الشباب, فهو يصغرني بعشر سنوات ، جلست معه وأخذت نصيبي وتركت الباقي له ولأمي وسافرت إلى لبنان أعمل هناك ، هناك تعرفت على إمرأة من بلدي تعيش في لبنان وأصبحنا صديقين ، لا تقل لي شيء لأني أعلم أن ذلك خطأ ، فقد كانت متزوجة ، كنّا نخرج معاً ونسافر أحيانا لمدينة أخرى ، كنت بسبب تنقلي أحمل مسدسا معي في سيارتي ، وفِي يوم قبض علي ووجهت لي تهمة القتل .
سألته : قتل ؟ من هي ؟
عمار : لا القتيل زوجها ،الأداة مسدسي وهو الدليل علي .
والوصول لي عبر صورة وجدت معها لنا سويا في ملهى ببيروت .
أدلة مكتملة ، مسدسي وبصماتي عليه ، صورتي معها بملهى ، والقتيل زوجها الذي تكرهه ، أدلة مكتملة لتحميلي جرم لم أرتكبه ، وحكم غير عادل .
سكتت قليلاً وسألته : ومن قتله؟
عمار : هي سرقت المسدس وقامت بقتله ، أقسم لك أني لم أقتله وحتى أني لم أقابله في حياتي, فقط رأيت صورته معها ….
سكت عمار مطولاً وقال : ساقول لك سرًا لا يعرفه أ حد .
نعم أستحق الإعدام ، لكن ليس لهذا الجرم ، وهو أمر لا يعرفه أحد ، لا أريد أن يكرهني أخي أو أختي ، فأنا حينما تحرك السلم الذي يقف عليه زوج أمي تلك الليلة لم أمد يدي لأمسكه ، كان بإمكاني فعل ذلك ، لكن حينها تذكرت ضربه لي ، وإهانته لأمي ، وجلساته مع أولئك النسوة وضحكاته …..
لذلك تركته يسقط دون أن أمد يدي لإنقاذه ، يا صديقي إن الله يمهل ولا يهمل ، إن أعدمت فإن الله يحقق عدالته في ، وأما ذلك القتيل فسيأتي يوم ليقتص الله له بِه من قاتله .

حمل عمار إبريقه وأكواب الشاي وغادرني باكيًا ومودعاً ، وكان هذا آخر عهدي بِه .

سليمان_عمر **الشارع العربي **

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى